فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال القاسمي:

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أي: بعضها {صَدَقَةً}.
قال المهايمي: لتصدق توبتهم إذ: {تُطَهِّرُهُمْ}، أي: عما تلطخوا به من أوضار التخلف. وعن حب المال الذي كان التخلف بسببه {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي: عن سائر الأخلاق الذميمة التي حصلت عن المال.
قال الزمخشري: التزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي: واعطف عليهم بالدعاء لهم وتَرَحَّم {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} أي: تسكن نفوسهم إليها، وتطمئن قلوبهم بها، ويثقون بأنه سبحانه قبِل توبتهم.
وقال قتادة: سكن، أي: وقار.
وقال ابن عباس: رحمة لهم. وقد روى الإمام أحمد عن حذيفة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا للرجل، أصابته وأصابت ولده وولد ولده. وفي رواية: إن صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجل وولده وولد ولده.
والجملة تعليل للأمر بالصلاة عليهم {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} أي: يسمع اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم {عَلِيمٌ} أي: بما في ضمائرهم من الندم والغم، لما فرط منهم.
تنبيهات:
الأول: {تُطَهِّرُهُمْ} قرئ مجزوما على أنه جواب للأمر، وأما بالرفع فعلى أنه حال من ضمير المخاطب في خذ. أو صفة لصدقة، والتاء للخطاب أو للصدقة.
والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده، أي: بها.
وقرئ تطهرهم، من أطهره بمعنى طهّره، ولم يُقرأ: وتزكيهم، إلا بإثبات الياء وهو خبر لمحذوف، والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه، أي: وأنت تزكيهم بها، هذا على قراءة {تطهرهم} بالجزم.
وأما على قراءة الرفع فـ {تزكيهم} عطف على {تطهرهم} حالًا أو صفة.
الثاني: قرئ {صلاتك} بالتوحيد، و{صلواتك} بالجمع، مراعاة لتعدد المدعوّ لهم.
وقال الشهاب: جمع صلاة، لأنها إسم جنس، والتوحيد لذلك، أو لأنها مصدر في الأصل.
الثالث: قال الشهاب: السكن السكون، وما يسكن إليه من الأهل والوطن، فإن كان المراد الأول، فجعلها نفس السكن والإطمئنان مبالغة، وهو الظاهر، وإن كان الثاني فهو مجاز بتشبيه دعائه، في الإلتجاء إليه بالسكن، انتهى.
قال أبو البقاء: سكن بمعنى مسكون إليها، فلذلك لم يؤنثه، وهو مثل القبض بمعنى المقبوض.
الرابع: قيل: المأمور به في الآية الزكاة. ومن تبعيضية، وكانوا أرادوا التصدق بجميع مالهم، فأمره الله أن يأخذ بعضها لتوبتهم، لأن الزكاة لم تقبل من بعض المنافقين، فترتبط الآية بما قبلها.
وقيل: ليست هذه الصدقة المفروضة، بل هم لما تابوا، بذلوا جميع مالهم كفارة للذنب الصادر منهم، فأمره الله تعالى بأخذ بعضها وهو الثلث، وهذا ما روي عن الحسن، وهو المختار عندهم. ونقل الرازي أن أكثر الفقهاء على أن هذه الآية كلام مبتدأ قصد به إيجاب أخذ الزكوات من الأغنياء، إذ هي حجتهم في إيجاب الزكاة، ثم نظر فيه بأن حملها على ما ذكروه يوجب ألا تنتظم الآية مع سابقها ولاحقها.
وأقول: لا ريب في ارتباط الآية بما قبلها، كما أفصحت عنه الرواية السابقة. وخصوص سببها لا يمنع عموم لفظها، كما هو القاعدة في مثل ذلك، ولذا رد الصديق رضي الله عنه، على من تأول من بعض العرب هذه الآية أن دفع الزكاة لا يكون إلا للرسول صلوات الله عليه، لأنه المأمور بالأخذ، وبالصلاة على المتصدقين، فغيره لا يقوم مقامه وأمر بقتالهم، فوافقته الصحابه، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخلفية، كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فاستدل من ذلك على وجوب دفع الزكاة إلى الإمام، ومثله نائبه، وهؤلاء المتأولون المرتدون غاب عنهم أن الزكاة إنما أوجبها الله تعالى سدًّا لحاجة المعدم، وتفريجًا لكربة الغارم، وتحريرًا لرقاب المستعبدين، وتيسيرًا لأبناء السبيل، فاستلَّ بذلك ضغائن أهل الفاقة، على من فضلوا عليهم في الرزق، وأشعر قلوب أولئك محبة هؤلاء، وساق الرحمة في نفوس هؤلاء على أولئك البائسين، فالإمام لا خصوصية لذاته فيها، بل لأنه يجمع ما يرد منها لديه، فينفقها في سبلها المذكورة.
الخامس: استدل بقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} على ندب الدعاء للمتصدق.
قال الشافعي رحمه الله: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق، ويقول: آجرك الله فيما أعطيت وجعله طهورًا، وبارك لك فيما أبقيت، وقال آخرون: يقول: اللهم صلِّ على فلان، ويدل عليه ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال: «اللهم صلِّ عليهم»، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى». أخرجاه في الصحيحين.
قال ابن كثير: وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: يا رسول الله! صلِّ علي وعلى زوجي، فقال: «صلى الله عليك وعلى زوجك».
أقول: وبهذين الحديثين يردّ على من زعم أن المراد بـ: {صَلَّ عَلَيْهِمْ} الصلاة على الموتى حكاه السيوطي في الإكليل.
السادس: دلت الآية كالحديثين، على جواز الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا.
قال الرازي: روى الكعبي في تفسيره أن عليًّا رضي الله عنه قال لعمر رضي الله عنه وهو مسجّى: عليك الصلاة والسلام. ومن الناس من أنكر ذلك.
ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد، إلا في حق النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ثم قال الرازي: إن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات الله عليه، وعليه الصلاة والسلام، إلا في حق الرسول، والشيعة يذكرونه في عليّ وأولاده، واحتجوا بأن نص القرآن دلَّ على جوازه فيمن يؤدي الزكاة، فكيف يمنع في حق عليّ والحسن والحسين عليهم رضوان الله؟ قال: ورأيت بعضهم قال: أليس أن الرجل إذا قال: سلام عليكم، يقال له: وعليكم السلام، فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فأوْلى آل البيت. انتهى.
وأقول: إِن المنع من ذلك أدبي لا شرعي، لأنه صار- في العرف- دعاءً خاصًا به صلى الله عليه وسلم، وشعارًا له، كالعَلم بالغلبة، فغيره لا يطلق عليه، إلا تبعية له، أدبًا لفظيًا.
السابع: قال الرازي: في سر كون صلاته عليه السلام سكنًا لهم: أن روح محمد عليه السلام كانت روحًا قوية مشرقة صافية باهرة، فإذا دعا لهم وذكرهم بالخير، فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب أرواحهم، وصفت أسرارهم. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}
لما كان من شرط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما فات وكان التخلف عن الغزو مشتملًا على أمرين هما عدم المشاركة في الجهاد، وعدم إنفاق المال في الجهاد، جاء في هذه الآية إرشاد لطريق تداركهم ما يُمكن تَدَارُكه مما فات وهو نفع المسلمين بالمال، فالانفاقُ العظيم على غزوة تُبوك استنفد المال المعد لنوائب المسلمين، فإذا أخذ من المخلفين شيء من المال انجبر به بعض الثلم الذي حلّ بمال المسلمين.
فهذا وجه مناسبة ذكر هذه الآية عقب التي قبلها.
وقد روي أن الذين اعترفوا بذنوبهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك خذها فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا، فقال لهم: لم أومر بأن آخذ من أموالكم.
حتى نزلت هذه الآية فأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم صدقاتهم، فالضمير عائد على آخرين اعترفوا بذنوبهم.
والتاء في {تطهّرهم} تحتمل أن تكون تاء الخطاب نظرًا لقوله: {خذ}، وأن تكون تاء الغائبة عائدة إلى الصدقة.
وأيّامًا كان فالآية دالة على أن الصدقة تطهر وتزكي.
والتزكية: جعل الشيء زكيًا، أي كثير الخيرات.
فقوله: {تطهرهم} إشارة إلى مقام التخلية عن السيئات.
وقوله: {تزكيهم} إشارة إلى مقام التحلية بالفضائل والحسنات.
ولا جرم أن التخلية مقدمة على التحلية.
فالمعنى أن هذه الصدقة كفارة لذنوبهم ومجلبة للثواب العظيم.
والصلاة عليهم: الدعاء لهم.
وتقدم آنفًا عند قوله تعالى: {وصلوات الرسول} [التوبة: 99].
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إذا جاءه أحد بصدقته يقول: اللهم صل على آل فلان.
كما ورد في حديث عبد الله بن أبي أوفى يجمع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه في هذا الشأن بين معنى الصلاة وبين لفظها فكان يُسْأل من الله تعالى أن يصلي على المتصدِق.
والصلاة من الله الرحمة، ومن النبي الدعاء.
وجملة: {إن صلواتك سكن لهم} تعليل للأمر بالصلاة عليهم بأن دعاءه سكن لهم، أي سبب سَكَن لهم، أي خير.
فإطلاق السكن على هذا الدعاء مجاز مرسل.
والسكن: بفتحتين ما يُسكَن إليه، أي يُطمأن إليه ويُرتاح به.
وهو مشتق من السكون بالمعنى المجازي، وهو سكون النفس، أي سلامتها من الخوف ونحوه، لأن الخوف يوجب كثرة الحذر واضطراب الرأي فتكون النفس كأنها غير مستقرة، ولذلك سمي ذلك قلقًا لأن القلق كثرة التحرك.
وقال تعالى: {وجاعل الليل سكنًا} [الأنعام: 96] وقال: {والله جعل لكم من بيوتكم سكَنًا} [النحل: 80]، ومن أسماء الزوجة السكن، أو لأن دعاءه لهم يزيد نفوسهم صلاحًا وسكونًا إلى الصالحات لأن المعصية تردد واضطراب، كما قال تعالى: {فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 45]، والطاعة اطمئنان ويقين، كما قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28].
وجملة: {والله سميع عليم} تذييل مناسب للأمر بالدعاء لهم.
والمراد بالسميع هنا المجيب للدعاء.
وذكره للإشارة إلى قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ففيه إيماء إلى التنويه بدعائه.
وذكر العليم إيماء إلى أنه ما أمره بالدعاء لهم إلا لأن في دعائه لهم خيرًا عظيمًا وصلاحًا في الأمور.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر ويعقوب {صلواتِك} بصيغة الجمع.
وقرأه حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف {صلاتك} بصيغة الإفراد.
والقراءتان سواء، لأن المقصود جنس صلاته عليه الصلاة والسلام.
فمن قرأ بالجمع أفاد جميع أفراد الجنس بالمطابقة لأن الجمع المعرف بالإضافة يعم، ومن قرأ بالإفراد فهمت أفراد الجنس بالالتزام. اهـ.

.قال الشعراوي:

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)}
هذه هي الصدقة غير الواجبة؛ لأنها لو كانت الصدقة الواجبة لما احتاجت إلى أمر جديد، بل هي صدقة الكفارة.
وقول الحق: {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} يعني أموال من اعترفوا بذنوبهم، وقد نسب الأموال وملكيتها لهم، رغم أن المال كله لله، مصداقًا لقوله: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ...} [النور: 33].
ولكن الحق ينقله إلى خلقه تفضلًا منه، وأوضح سبحانه إذا قلت لكم: أخرجوا شيئًا من المال الذي وهبتكم إياه فلن أرجع فيما وهبته لكم، ولذلك إذا احتاج مؤمن شيئًا من مؤمن مثله، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله...} [البقرة: 245].
وسبحانه واهب المال وهو يحترم هبته لصاحب المال.
وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} لاحظ فيه العلماء أن المال حين يضاف إلى صاحبه فهو تطمين له، حتى يتحرك في الحياة حركة فوق ما يحتاج، ويبقى له شيء يتموَّله، وبذلك يحرص الإنسان على الحركة التي ينتفع بها الغير، وإن لم يقصد. فيوضح له الحق: اطمئن إلى أن كل شيء سيزيد عن حاجتك يصبح ملكًا لك، ولا يخرج المال عن ملكية صاحبه إلا إذا كان صاحبه غير أهل للتصرّف، مصداقًا لقول الحق: {وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أَمْوَالَكُمُ...} [النساء: 5].
لأن السفيه لا يصح أن يتملك؛ لأنه بالحمق قد يضيع كل شيء، فينزل الحق الحكم: إن مال السفيه الذي يملكه ليس ماله إنما هو مالكم. ولكن إلى متى؟ فيأتي القول الحق: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْدًا فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ...} [النساء: 6].